محمد بن جرير الطبري

390

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صدقه . فإن كان ذلك منهم كفرا ، فغير جائز أن يقال لهم وهم كفار لكم في مجيء التابوت آية إن كنتم من أهل الإِيمان بالله ورسوله وليسوا من أهل الإِيمان بالله ولا برسوله ، ولكن الأَمر في ذلك على ما وصفنا من معناه ، لأَنهم سألوا الآية على صدق خبره إياهم ليقروا بصدقه ، فقال لهم في مجيء التابوت على ما وصفه لهم آية لكم إن كنتم عند مجيئه كذلك مصدقي بما قلت لكم وأخبرتكم به . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره متروك قد استغني بدلالة ما ذكر عليه عن ذكره . ومعنى الكلام : إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ، فأتاهم التابوت فيه سكينة من ربهم ، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة ، فصدقوا عند ذلك نبيهم ، وأقروا بأن الله قد بعث طالوت ملكا عليهم ، وأذعنوا له بذلك . يدل على ذلك قوله : فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ وما كان ليفصل بهم إلا بعد رضاهم به وتسليمهم الملك له ، لأَنه لم يكن ممن يقدرون على إكراههم على ذلك فيظن به أنه حملهم على ذلك كرها . وأما قوله : فَصَلَ فإنه يعني به شخص بالجند ورحل بهم . وأصل الفصل : القطع ، يقال منه : فصل الرجل من موضع كذا وكذا ، يعني به قطع ذلك ، فجاوزه شاخصا إلى غيره ، يفصل فصولا ؛ وفصل العظم والقول من غيره فهو يفصله فصلا : إذا قطعه فأبانه ؛ وفصل الصبي فصالا : إذا قطعه عن اللبن ؛ وقول فصل : يقطع فيفرق بين الحق والباطل لا يرد . وقيل : إن طالوت فصل بالجنود يومئذ من بيت المقدس وهم ثمانون ألف مقاتل ، لم يتخلف من بني إسرائيل عن الفصول معه إلا ذو علة لعلته ، أو كبير لهرمه ، أو معذور لا طاقة له بالنهوض معه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه ، قال : خرج بهم طالوت حين استوثقوا له ، ولم يتخلف عنه إلا كبير ذو علة ، أو ضرير معذور ، أو رجل في ضيعة لا بدله من تخلف فيها . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما جاءهم التابوت آمنوا بنبوة شمعون ، وسلموا ملك طالوت ، فخرجوا معه ، وهم ثمانون ألفا . قال أبو جعفر : فلما فصل بهم طالوت على ما وصفنا قال : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ يقول : إن الله مختبركم بنهر ، ليعلم كيف طاعتكم له . وقد دللنا على أن معنى الابتلاء : الاختبار فيما مضى بما أغنى عن إعادته . وبما قلنا في ذلك كان قتادة يقول . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قول الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال : إن الله يبتلي خلقه بما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه . وقيل : إن طالوت قال : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ لأَنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين عدوهم ، وسألوه أن يدعو الله لهم أن يجري بينهم وبين عدوهم نهرا ، فقال لهم طالوت حينئذ ما أخبر عنه أنه قاله من قوله : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه ، قال : لما فصل طالوت بالجنود ، قالوا : إن